ابن كثير
302
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
يقول : ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق ، وقال مجاهد والسدي : ضيقا حرجا شاكا ، وقال عطاء الخراساني : ضيقا حرجا أي ليس للخير فيه منفذ ، وقال ابن المبارك عن ابن جريج : ضيقا حرجا بلا إله إلا اللّه حتى لا يستطيع أن تدخل قلبه ، كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ من شدة ذلك عليه . وقال سعيد بن جبير : يجعل صدره ضيقا حرجا ، قال : لا يجد فيه مسلكا إلا صعدا . وقال السدي كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ من ضيق صدره . وقال عطاء الخراساني كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ يقول مثله كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد إلى السماء ، وقال الحكم بن أبان : عن عكرمة عن ابن عباس كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ يقول : فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء ، فكذلك لا يستطيع أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه ، حتى يدخله اللّه في قلبه ، وقال الأوزاعي كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كيف يستطيع من جعل اللّه صدره ضيقا أن يكون مسلما . وقال الإمام أبو جعفر بن جرير « 1 » : وهذا مثل ضربه اللّه لقلب هذا الكافر في شدة ضيقه عن وصول الإيمان إليه ، يقول : فمثله في امتناعه من قبول الإيمان وضيقه عن وصوله إليه ، مثل امتناعه عن الصعود إلى السماء وعجزه عنه ، لأنه ليس في وسعه وطاقته ، وقال : في قوله كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ يقول : كما يجعل اللّه صدر من أراد إضلاله ضيقا حرجا ، كذلك يسلط اللّه الشيطان عليه وعلى أمثاله ، ممن أبى الإيمان باللّه ورسوله فيغويه ويصده عن سبيل اللّه ، وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس : الرجس الشيطان ، وقال مجاهد : الرجس : كل ما لا خير فيه ، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : الرجس العذاب « 2 » . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 126 إلى 127 ] وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ( 126 ) لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 127 ) لما ذكر تعالى طريق الضالين عن سبيله الصادين عنها ، نبه على شرف ما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق ، فقال تعالى : وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً منصوب على الحال ، أي هذا الدين الذي شرعناه لك يا محمد بما أوحينا إليك هذا القرآن هو صراط اللّه المستقيم ، كما تقدم في حديث الحارث عن علي في نعت القرآن : هو صراط اللّه المستقيم وحبل اللّه المتين وهو الذكر الحكيم ، رواه أحمد والترمذي بطوله . قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ أي وضحناها وبيناها وفسرناها لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ أي لمن له فهم ووعي يعقل عن اللّه ورسوله لَهُمْ دارُ السَّلامِ وهي الجنة عِنْدَ رَبِّهِمْ أي يوم القيامة ، وإنما وصف اللّه الجنة هاهنا بدار السلام ، لسلامتهم فيما سلكوه من الصراط المستقيم المقتفي أثر
--> ( 1 ) تفسير الطبري 5 / 339 . ( 2 ) تفسير الطبري 5 / 340 - 341 .